عِتْقُ وَرَقةِِ

عدد الصفحات: 150


الفقد والاسترجاع هما موضوع رواية مي التلمساني (هليوبوليس). والبطل في هذه الرواية هو المكان الذي ولدت فيه الراوية- ذلك الحي القاهري الذي أسسه في مطلع القرن مستثمر بلجيكي هو البارون امبان وهي تنتمي من حيث النوع إلى روايات المكان مثل رواية شتاينبك أو رواية نجيب محفوظ "زقاق المدق" ، ولكن بينما تمثل علاقة الشخصيات بالمكان محور هذين العملين فان تفاصيل المكان هي التي تحتل الصدارة في رواية مي. البطل ليس الشارع كما عند شتاينبك ولا الحي كما عند محفوظ وانما البطل أو الأبطال هي الجزئيات الحميمة عبر تفتيت المكان ان جاز التعبير, المساكن داخل العمارات, والغرف داخل المساكن, والأثاث داخل الغرف, والشرفات خارجها, وحنيات السلم, والمقاعد, وفرش المقاعد, ليس المكان هنا ديكورا ولا خلفية للأحداث ولا حتى بيئة تصنع الأشخاص ولكنه هو الحدث الأساسي, وفقد جدة البطلة المسماة شوكت لا يتجسد بالحديث عن تفاصيل موتها وإنما بفراغ المكان- أي بوجود المقعد الذي اعتادت الجدة أن تجلس عليه دون وجود الجدة ذاتها . في هليوبوليس تسجل مي التلمساني حياة المكان من خلال عين البطلة ميكي إلا ان ميكي هنا تكاد تكون مجرد كاميرا لنقل حياة المكان والشخصيات (باعتبارها خلفية للمكان) أو باعتبارها فسيفساء مكملة للوجود الراسخ للأشياء, ومن المدهش حقا ان هذا الوجود العارض والعفوي للشخصيات وسط الأماكن وقطع الأثاث يكسبها وجودا وحياة أقوى بكثير مما لو كانت هي المستهدفة .

  • 18 ر.س
0
سلة المشتريات
اتمام الطلب