عِتْقُ وَرَقةِِ

عدد الصفحات : 271


يبدأ مؤلف كتاب«حكايات احسان عبدالقدوس»، محمد إحسان عبدالقدوس، محطات بحثه بإطلاعنا على متانة وحميمية علاقة حب والده ووالدته، فيدرج الكلمات التي كتبها والده إحسان عبدالقدوس، أو "سانو" وهو الاسم الذي اشتهر به منذ شبابه المبكر بين أصدقائه المقربين، وأيضاً الاسم الذي كانت دائماً تناديه به لواحظ، أو "لولا" -كما كان الجميع ينادونها.


 ويطلعنا محمد على ماهية ما كتبه سانو للولا في ذكرى مرور 27 عامًا على ارتباطهما يوم 5 نوفمبر 1943، إذ خاطب سانو لولا: "أنت وأنا ولدنا اليوم.. لم تكن لنا حياة من قبل، ولن تكون لنا حياة إلا معًا.. أنت كل الحياة.. وحبي". وكذلك الكلمات التي كتبها مهديًا لها أشهر قصصه "لا تطفئ الشمس".


ورأى المؤلف أن قصة حب سانو ولولا، هي ذروة العطاء العاطفي في قصة واقعية تنافس قصص الحب الرائعة المقروءة، مثل روميو وجولييت أو قيس وليلى، قائلًا: إن لولا هي السبب المباشر والرئيسي وراء نجاح إحسان أو "سانو"، فهي التي صنعت منه كاتبًا عملاقًا من أعصابها وقلبها الكبير، تلك الحقيقة التي كان يعترف بها إحسان عبدالقدوس ويفتخر بها قائلًا: ( لولا "لولا" ما كان "سانو").


ويذكر محمد أن سبب سخريته من اتهام والده بأنه كان "زير نساء"، لِما ظهر في كتاباته من فهم لشعور وأحاسيس المرأة؛ لعلمه التام أن والدته لولا كانت ملكة متوجة على عرش قلب والده، وأنها حافظت على مملكتها وزوجها وأولادها، أكثر من أربعين سنة، وينتقل المؤلف إلى الحديث عن قصة زواج والديه، والتي وصفها بالعجيبة، في عنوان الرواية الثانية "قصة زواج عجيبة"، فقد كان لهما قصة خاصة،.


حيث كان سانو طالبًا في السنة النهائية بكلية الحقوق عندما التقى بـ"لولا" للمرة الأولى عام 1942، ويلفت المؤلف النظر إلى حرص الطرفين على ضرورة أن يعرف الجميع بعلاقتهما، خاصة أن عبدالقدوس كان يرى أن الحب الصحيح الصحي يجب أن يعيش في الهواء ويتعرض لضوء الشمس كالزهرة التي إذا لم تتعرض لضوء الشمس تذبل وتموت.


ولكن تلك العلاقة لم تجد تشجيعًا للزواج من الأهل، حيث كانت فاطمة اليوسف، والدة عبدالقدوس، تريد له أن يلتفت إلى مستقبله لاستكمال رسالتها في مجلة "روزاليوسف" التي أنشأتها 1925، كما أن عائلة "المهلمي" كانت معارضة أيضًا لزواج ابنتها "لولا" من شاب ما زال في مقتبل عمره، ومجهول المستقبل، إلى جانب آرائه وأفكاره العجيبة. وأمام تلك العقبة لجأ "سانو" إلى أستاذه، الصحافي محمد التابعي الذي شجّعه على أن يتزوج من حبيبته وأن يعقد قرانه في بيته بالزمالك، واضعًا الجميع أمام الأمر الواقع، وكان التابعي الشاهد الرئيسي على هذا الزواج .


ويقول المؤلف هنا، إنه على الرغم من رفض الأهل لهذا الزواج، إلا أنهم لم يلبثوا أن باركوه بعد ذلك. ثم ينتقل إلى الحديث عن محطات وطبيعة حياة "سانو" و"لولا"، بعدها، مبيناً أنها بقيت متواضعة ماديًّاً إلا أنها كانت حياة سعادة في ظل كفاحهما المستمر نحو الأفضل.


ولا يفوت المؤلف الإشارة إلى عقدة أبيه من اسمه إحسان عبدالقدوس، الذي يطلق على الرجال والنساء، حتى إنه في طفولته كان الأطفال يسخرون من اسمه، وهم يلعبون صائحين "البنوتة أهو"، والسبب وراء تسميته بهذا الاسم، أن والدته كانت لها صديقة مقربة اسمها إحسان. ولم يخلُ الكتاب من استعراض موسع لعلاقات إحسان وتعاملاته ومواقفه المختلفة مع السياسيين والصحافيين.


ويتناول الكاتب أشد لحظات إحسان صعوبة وقسوة؛ وهي لحظة وفاة والدته "فاطمة اليوسف" في 10 إبريل 1958، ووصفها بأنها كانت بمثابة زلزال لابنها، حتى إنه لم يتحمل الصدمة، وأصيب بما يشبه الانهيار، وذلك تحت عنوان "لحظات رهيبة في حياة إحسان عبدالقدوس؛ موت روزاليوسف.. كارثة عمره"، ويستكمل حديثه عن وفاة جدته بكل التفاصيل تحت عناوين "روزاليوسف.. استأذنت من الموت نصف ساعة"، و"في درج أسرار روزاليوسف".


وينقلنا المؤلف، بعد هذه المشاعر الحزينة التي عايشها "سانو"، إلى الحديث عن قصصه التي تحوّلت إلى أفلام، من خلال المقالات التي كتبها إحسان ذاته، أو مشاهدته كابن له، أو من خلال حواره مع عمته التي استعان بها في كثير من صفحات الكتاب.


كما يدعم مؤلف الكتاب، رواياته عن والده، بعدد من الصور، حملت عنوان "ألبوم الذكريات" الذي تضمن 29 صورة، جمعت عبدالقدوس وعائلته في أماكن وأزمنة مختلفة، ولم تغفل صور روزاليوسف والدة عبد القدوس وجدة الكاتب، وآخر صورة له قبل وفاته يناير 1990.واختتم المؤلف كتابه، بآخر حلقة أو حكاية حملت عنوان "ختامه مسك.. خطاب إلى بابا في الآخرة"، وتضمنت خطابًا كتبه لوالده عقب وفاته بعدة سنوات وظل محتفظًا به، ولم ينشره إلا في الكتاب.


ويخاطبه فيه بكلمات مثل "يا أغلى الناس، يا حبي الكبير"، متوجهًا له بالشكر على كل شيء، وخاصة على رحيله؛ لأنه أكد له الحقيقة التي تعلمها من دينه، حيث أصبح أكثر اهتمامًا بالآخرة، وكيف أن أسرته أنشأت صالونًا ثقافيًّا يحمل اسمه ليبقى في قلوب الناس، وكيف أنه أجاب من سأله عن رأيه في أدب إحسان عبدالقدوس، ظنًا من السائلين أنه قد يخالفه أو يتطاول عليه لملامحه وتوجهه الديني. ويختتم محمد كتابه: "أحبك يا بابا، أحبك، ومعذرة يا أغلى الناس فأنا مضطر إلى التوقف عن الكتابة حتى لا تطفر دموعي".


 


 


 


  • 23 ر.س
0
سلة المشتريات
اتمام الطلب