عِتْقُ وَرَقةِِ

  • 273 صفحة




يذكر التاريخ الإسلامي أن طاعون عمواس الذي اجتاح بلاد الشام في زمن الفتوح، وراح ضحيته الآلاف من المجاهدين المسلمين، في مقدمتهم القائد الكبير «أبو عبيدة بن الجراح» ورافقت هذا الطاعون مجاعة اجتاحت بلاد الحجاز، حيث لم يعد الناس يجدون قوت يومهم، ودعي العام الذي وقعت فيه تلك المجاعة «عام الرمادة» وكتب التاريخ حافلة بالأخبار عن الطواعين وتسهب في الحديث عن ويلاتها، وعلى مدى القرون التالية كانت الطواعين تظهر بين حين وآخر، وهي وإن توقفت في أوروبا مطلع العصور الحديثة، إلا أنها تلاحقت عندنا، لاسيما في العصر العثماني.


يتخذ هذا الكتاب نهج المدخل البيئي في دراسة الطاعون، الأمر الذي يختلف عن دراسات أخرى معاصرة، في تعاملها مع الموت الأسود، مثل تلك التي كتبها فيليب زيجلر، فيمكننا أن نفهم الموت الأسود والجائحة الطاعونية الثانية، في سياقهما الوبائي فحسب، باعتبارهما جزءاً من أزمة إيكولوجية امتدت 300 سنة، ولا يستبعد هذا التأكيد على البيئة الخارجية، ما صاحبها من مشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية، والأحرى بنا أن نبحث عن منظور أكثر توازناً لتوضيح الدور الذي نهضت به الأحوال الجوية، إلى جانب المغامرين من التجار في نشر الطاعون، وبالمثل فمن المهم أن ندرس ما جرى في أواخر القرن الثالث عشر من تدهور فيما تنتجه الأرض الزراعية من غلال، وأن نتفحص المتغيرات في ترسيب التربة، فضلاً عن نوعية المحاصيل التي كان الفلاحون يزرعونها، وكيف كانوا يورثون حيازاتهم.


يشير المؤلف إلى صعوبات واجهته عند تأليف الكتاب، تتمثل في ذيوع عدد من المفاهيم المغلوطة، فلا يزال العديد من المؤرخين يصرون على المبالغة في أعداد من ماتوا بسبب الموت الأسود، في حين كانت البيئة السكانية من المرونة بحيث كانت تعاود النهوض من أي أزمة مفردة، حتى وإن كانت فتاكة كالموت الأسود، والصحيح هو أن الضربات المتوالية للجائحة الطاعونية الثانية هي التي أدت إلى تلك التغييرات الهائلة، وعلى العكس فهناك مؤرخون يميلون إلى تقليل عدد من هلكوا في الطاعون، فيقدرون ضحايا الموت الأسود بالعشرين في المئة فقط من جملة سكان أوروبا، وهناك صعوبات أخرى مثل ندرة وثائق العصور الوسطى، التي تعاملت مع الظواهر الطبيعية، فتتحدث بعض الحوليات عن طقس سيئ، لا مزيد، وهذا الطاعون وإن كان قد خلف وراءه ضحايا تقدر أعدادهم بالملايين أو عشرات الملايين، إلا أنه كانت له حسناته، في كونه سرع بالنهضة والانتقال بأوروبا من عصور وسطى راكدة إلى عصور حديثة واعدة، فلم يمض وقت يسير على انكشاف تلك الغمة حتى كانت أوروبا قد تحولت إلى مجتمع جديد، يختلف عن المجتمع القديم في الملامح والقسمات.  

  • 25 ر.س
نفذت الكمية
0
ســلـة
المشتريات
إتمام الطلب