عِتْقُ وَرَقةِِ

عدد الصفحات: 411 صفحة 



"كان رأسه محملاً بالأشعار والكلمات فهو (هاوي شعر) كأبناء جيله، جيل الأربعينيات، ولكن ليس هناك من يردد هذه القصائد على مسامعه لذلك، كالعادة، يحتفظ بما في مخيلته من كلمات وقصائد وأفكار حتى يصل إلى البيت ويدون كل شيء في دفتر خصصه للقصائد، ثم يسجلها بصوته على أشرطة يحتفظ بها، فإذا ما سنحت له الفرصة والتقى بأحد هواة الشعر من أمثاله، فإنه يسمعه ما أنجبت، كما يقول، (عبقريته من كلمات وشجون). لم يد الآن بعيداً عن الشقة الصغيرة، مجرد دقائق ويصل، فقد قطع الليلة مسافة طويلة جداً ماشياً من حارة البرلمان و"بغ بن" ونهر التايمز، تلك الحارة العريقة المرهفة الحالمة التي تصاغ فيها قوانين البلد وسياسته، والتي تختلف تماماً عن الحارة التي سكن فيها، حارة (بادنجتون) بصخبها وضجيجها وهرولة ناسها وكثرة مطاعمها وحوانيتها الرخيصة. وهو يقترب أكثر وأكثر من مكانه حدّث نفسه قائلاً: كم كتمت هذه الشقة من الأحداث الكثيرة التي وقعت في داخلها، وكم تسترت على وضعي وأحوالي التي لا أستسيغ أن يطلع عليها أحد... لقد أحاطتني بأسوار غليظة من السرية ولم يخرج من داخلها في يوم سرٌّ من أسراري المكتومة. عاد ليسأل في ذهنه: ولكن هل صحيح أن الشقة هي التي تسترت على وقائع حياتي والأحداث التي تقع بداخلها، أم لندن كمدينة هي التي فعلت ذلك؟!".

  • 21 ر.س
0
ســلـة
المشتريات
إتمام الطلب